ابن عطاء الله السكندري
147
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
من ذلك لمعا في أبواب متعددة ليتبين للناظر اطراد المذهب على ما قررناه ، وبناؤه على ما أوضحناه ونذكر نبذا في الأطعمة والأموال والفروج . أما الأطعمة فقد قال مالك رحمه اللّه : من عنده خمر غير محترمة وجب عليه إراقتها وحرم عليه تخليلها ولا يمكن من ذلك ويمنع منه ولكن لو اجترأ وخللها وصارت خلا فقد أساء وليأكلها وهذه المسالة عمدة في أن التوصل بالمعصية إلى ملك لا يقدح في صحة الملك وجواز الانتفاع وأن بناء الورع على مجرد الاختلاف لا يصح وبيانه أن تخليل الخمر حرام فقد ارتكب المخلل حراما وانكف عن واجب وساغ له مع ذلك الأكل ولم ينه عنه ولم يمنع منه ، ولا ورع في الانكفاف عن الأكل عنده وأما إعراضه عن الاختلاف في إثبات الكراهة فبين في هذه المسألة فإن جماعة كثيرة من العلماء يذهبون إلى نجاسة هذه الخمر ويمنعون من الانتفاع بها وليس ذلك لأجل تحريم التخليل بل يحتجون بأن الظرف نجس بنجاسة الخمر ، والنجاسة لا يزيلها إلا الماء الطهور فبقى الظرف نجسا فتنجست الخل لنجاسة ظرفها والخل لا يدفع عن نفسه ومالك رحمه اللّه يقول : إن الخمر التي كانت نجسة انقلبت بنفسها فصارت خلا فطهر ما كان نجسا ويكون ذلك بمثابة ما إذا صار الدم دودا فإنه يكون طاهرا ، وما ذكره الأولون من نجاسة الخل لأجل نجاسة الظرف فباطل لوجهين ؛ أحدهما : أن الأعيان التي كانت نجسة فصارت طاهرة فليس ظرف الخمر نجسا حتى يفتقر إلى استعمال / ص 50 / الطهور وليس كذلك ما إذا أريقت الخمر من الظرف لأنه تبقى منه أجزاء لطيفة ، فافتقر إلى استعمال الماء لأجلها ، الأمر الثاني : إطباقهم على أن الخمر المحترمة إذا تخللت جاز الانتفاع بها فلو كانت نجاسة الظروف ثبتت بعد أن صارت خلا لما جاز الاستعمال لهذه الخل إذا الظرف نجس ولا ذاهب إليه وهذا هو الصحيح ، أما حل التناول فلزوال المحرم وأما الطهارة فلزوال المنجس وكذلك المحرم للانتفاع بالأعيان المنتفع بها تعلق حقوق بعض الخلق بها فإذا زال الحق صح الانتفاع كما أن الموجب للتحريم الإسكار فإذا زال الإسكار حل الانتفاع ، وأما الأعراض عن الخلاف وامتناع بناء الورع عليه عند قوة الدليل فهو الحق المبين فإن حكم اللّه تعالى على المجتهد ما غلب على ظنه وقد بينا فيما سبق أن بناء الكراهة على مجرد الاختلاف مما لم يصر إليه أحد ، فإن مالكا رحمه اللّه قد حكم بحل أمور من غير كراهة ، والشافعي يحرمها كأكل الصيد الذي أكل منه الكلب ، وكذلك أكل ما ولغ فيه الكلب وغيره من الحيوانات التي تصادف النجاسات والالتفات إلى قوة دليل الخصم مع أنه ضعيف عند الناظر كلام ضعيف والفرق بين مرجوح ومرجوح يشق فالأصح في نظر الأصول بناء الأمر على ما غلب على الظن من قوة الدليل واللّه المستعان ، وقد اعتذر